مطارات أوروبا تعيد رسم خريطة وقود الطائرات بعد اضطراب إمدادات الشرق الأوسط

كتبت : ميادة فايق 

نجحت أوروبا في تفادي سيناريو نفاد وقود الطائرات وإلغاء أعداد واسعة من الرحلات الجوية، رغم الاضطرابات التي طالت حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، بعدما سارعت دول القارة إلى تنويع مصادر الاستيراد، بالتزامن مع زيادة إنتاج المصافي الأوروبية والأميركية.


ورغم نجاح هذه الإجراءات في منع حدوث نقص مادي واسع في وقود الطائرات، فإن الأزمة لم تمر من دون تكلفة، إذ انتقلت الضغوط من توافر الوقود إلى أسعاره، ما فرض أعباء إضافية على شركات الطيران ورفع تكلفة تشغيل الرحلات.


اعتماد أوروبي كبير على واردات الشرق الأوسط


قبل اندلاع الأزمة، كان الشرق الأوسط يمثل المصدر الرئيسي لواردات أوروبا من وقود الطائرات، إذ وفر نحو 75% من إجمالي الواردات الأوروبية، بما يعادل قرابة 375 ألف برميل يومياً.


وتستهلك القارة الأوروبية نحو 1.6 مليون برميل يومياً من وقود الطائرات، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز نحو 1.1 مليون برميل يومياً، وهو ما يعكس اعتماداً هيكلياً على الواردات لتلبية احتياجات قطاع الطيران.


ومع اضطراب حركة الشحنات القادمة عبر المنطقة، واجهت الأسواق الأوروبية اختباراً حقيقياً لقدرتها على تأمين الإمدادات، خصوصاً مع ارتفاع الطلب على وقود الطائرات خلال موسم السفر الصيفي.


من الشرق الأوسط إلى أميركا وآسيا


ولم تنتظر أوروبا تفاقم الأزمة، إذ بدأت شركات ومشترون أوروبيون في التحرك سريعاً لإعادة رسم خريطة الإمدادات، عبر زيادة واردات وقود الطائرات من الولايات المتحدة وكندا ونيجيريا والهند وكوريا الجنوبية.


وفي الوقت نفسه، ساهمت المصافي الأوروبية في تعويض جزء من النقص من خلال زيادة معدلات الإنتاج، بينما عززت المصافي الأميركية إمداداتها إلى الأسواق العالمية.


ووفق بيانات قطاع الطاقة، تجاوز إنتاج المصافي الأميركية مليوني برميل يومياً للمرة الأولى على أساس متوسط أربعة أسابيع، في مؤشر على الدور المتزايد للإمدادات الأميركية في سد الفجوة التي خلفها اضطراب تدفقات الوقود من الشرق الأوسط.


أوروبا نجت من النقص.. لكن الأسعار دفعت الثمن


وبحسب بيانات وتحليلات صادرة عن أويل برايس وإدارة معلومات الطاقة الأميركية ووكالة الطاقة الدولية والاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا»، ساعدت هذه الإجراءات مجتمعة على منع حدوث نقص واسع في وقود الطائرات داخل أوروبا، والحفاظ على استمرار العمليات الجوية دون موجة كبيرة من إلغاء الرحلات بسبب عدم توافر الوقود.


لكن نجاح أوروبا في تأمين الكميات المطلوبة لم يكن مجانياً، فمع ارتفاع تكلفة الحصول على شحنات بديلة وطول مسافات الإمداد وتزايد المنافسة على الشحنات المتاحة في الأسواق العالمية، ارتفعت أسعار وقود الطائرات بشكل حاد.


وبلغ سعر وقود الطائرات نحو 149 دولاراً للبرميل في 4 أغسطس، مقارنة بنحو 90 دولاراً للبرميل في بداية عام 2026، بزيادة تقارب 65%.


وهكذا، تحولت أزمة الإمدادات من تهديد مباشر باستمرارية الرحلات إلى ضغط متزايد على تكاليف التشغيل، في وقت تواجه فيه شركات الطيران أصلاً تحديات مرتبطة بأسعار الوقود وهوامش الربحية وتكاليف التشغيل.


المخزونات الأوروبية تظل نقطة الضعف


ورغم تجاوز أخطر مراحل الأزمة، لا تزال سوق وقود الطائرات الأوروبية معرضة لمخاطر إضافية، خصوصاً في ظل انخفاض مستويات المخزون.


وتراجعت المخزونات الأوروبية إلى نحو 38 مليون برميل في أوائل يونيو الماضي، وهو مستوى يغطي أقل من شهر من الطلب، ما يعني أن أي اضطراب جديد في حركة الإمدادات قد يعيد الضغوط إلى السوق بسرعة.


وتكشف التطورات الأخيرة أن أوروبا تمكنت من تجنب أزمة نقص حادة بفضل مرونة شبكة الإمدادات وقدرتها على التحول السريع بين مصادر الاستيراد، إلى جانب زيادة إنتاج المصافي.


إلا أن هذه التجربة كشفت في المقابل عن هشاشة اعتماد قطاع الطيران الأوروبي على الإمدادات الخارجية، وأن ضمان استمرار الرحلات لا يعتمد فقط على توافر الوقود، وإنما أيضاً على قدرة السوق على توفيره بأسعار يمكن لشركات الطيران تحملها.


وبذلك، نجحت أوروبا في إنقاذ مطاراتها من سيناريو الطوابير وإلغاء الرحلات بسبب نقص الوقود، لكنها دفعت ثمناً آخر تمثل في ارتفاع الأسعار، لتبقى أمن إمدادات وقود الطائرات أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع الطيران الأوروبي خلال المرحلة المقبلة.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24
مواعيد رحلات مطار القاهرة