كتبت : مى عبد المجيد
حذر مايكل أوليري، الرئيس التنفيذي لشركة رايان إير، من احتمالية ارتفاع أسعار تذاكر الطيران في أوروبا بنسبة تتراوح بين 10% و20% خلال عام 2027، في ظل تصاعد تكاليف وقود الطائرات نتيجة الحرب مع إيران، وما تفرضه من ضغوط متزايدة على شركات الطيران، وسط توقعات بتراجع السعة التشغيلية وخروج بعض الشركات من السوق.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه صناعة الطيران الأوروبية تحديات متشابكة، تشمل ارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الأعباء التشغيلية، وقرارات تقليص الرحلات على بعض المسارات، بما قد ينعكس على أسعار التذاكر وتوافر المقاعد أمام المسافرين.
وقال أوليري، خلال مؤتمر صحفي في بروكسل اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر إن أسعار تذاكر الطيران الأوروبية قد ترتفع بنسب تتراوح بين 10% و15%، وربما تصل إلى 20% العام المقبل، واصفًا الزيادة المحتملة بأنها قد تكون الأكبر في تاريخ الطيران الأوروبي.
وأوضح أن استمرار ارتفاع أسعار وقود الطائرات سيضع شركات الطيران أمام ضغوط مالية متزايدة، وقد يدفعها إلى تحميل المسافرين جزءًا من التكاليف الإضافية، في حين يمكن أن يؤدي إفلاس بعض الشركات أو استحواذ شركات أخرى عليها إلى تقليص عدد المقاعد المتاحة، بما يعزز الضغوط الصعودية على الأسعار.
حرب إيران تشعل تكاليف الوقود وتضغط على شركات الطيران
أدت الحرب مع إيران، التي اندلعت في أواخر فبراير 2026، إلى ارتفاع تكاليف وقود الطائرات واضطراب التوقعات المتعلقة بنفقات التشغيل في قطاع الطيران، ما زاد من صعوبة الحفاظ على هوامش الربحية، خصوصًا لدى الشركات التي لا تمتلك حماية كافية من تقلبات أسعار الوقود.
ويُعد الوقود أحد أكبر بنود الإنفاق التشغيلي لشركات الطيران، ولذلك فإن استمرار ارتفاع أسعاره لفترة طويلة قد يدفع الناقلات إلى إعادة تقييم أسعار التذاكر، والجداول التشغيلية، وجدوى تشغيل بعض الخطوط الجوية.
وتزداد حدة هذه الضغوط لدى الشركات التي لم تؤمّن احتياجاتها المستقبلية من الوقود بأسعار أقل من خلال عقود التحوط، إذ تصبح أكثر عرضة لتقلبات السوق مقارنة بالشركات التي حجزت جزءًا كبيرًا من احتياجاتها مسبقًا.
ومع ذلك، فإن ارتفاع أسعار الوقود لا يعني بالضرورة زيادة أسعار التذاكر بالنسبة نفسها، إذ تتوقف قدرة الشركات على تمرير التكاليف إلى المسافرين على عوامل أخرى، من بينها مستوى الطلب، وشدة المنافسة، وأسعار المطارات، وتكاليف العمالة، وتقلبات العملات.
تحوط «رايان إير» من الوقود يواجه اختبارًا جديدًا في 2027
رغم تمتع رايان إير بميزة نسبية بفضل عقود التحوط التي أبرمتها لتأمين جزء كبير من احتياجاتها من الوقود، فإن هذه الميزة قد تتراجع مع اقتراب انتهاء العقود الحالية.
وبحسب تصريحات أوليري، كانت الشركة قد أمّنت نحو 80% من احتياجاتها من الوقود بسعر يبلغ 67 دولارًا للبرميل حتى مارس 2027، في حين لم تتجاوز نسبة الوقود الذي أمّنت سعره للسنة المالية التالية، التي تبدأ في أبريل 2027، نحو 15%، وبسعر يقارب 85 دولارًا للبرميل.
وأشار أوليري إلى أن أسعار السوق الفورية كانت تدور حول ضعف هذا المستوى وقت تصريحاته اليوم ، ما يسلط الضوء على حجم التحديات التي قد تواجه الشركة مع انتهاء عقود التحوط الحالية.
وتتيح عقود التحوط لشركات الطيران الحد من تأثير تقلبات أسعار الوقود من خلال تثبيت الأسعار أو استخدام أدوات مالية مسبقة، لكنها لا تلغي جميع المخاطر، ولا تضمن بالضرورة استمرار انخفاض تكاليف الوقود مقارنة بالمنافسين.
وبالتالي، فإن استمرار الأسعار المرتفعة حتى عام 2027 قد يزيد النفقات التشغيلية لرايان إير وغيرها من الشركات، حتى مع الاستفادة من العقود التي توفر حماية مؤقتة من ارتفاع الأسعار.
رايان إير تخفض مستهدفات الركاب وتعيد حسابات التشغيل
لم تقتصر تداعيات ارتفاع تكاليف الوقود على التحذيرات المتعلقة بأسعار التذاكر، بل بدأت بالفعل في التأثير على خطط التشغيل لدى شركات الطيران الأوروبية.
ففي 2 سبتمبر 2026، خفضت رايان إير مستهدفها لعدد المسافرين خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2027 من 216 مليونًا إلى 214 مليون مسافر، أي بتراجع قدره مليونا مسافر عن التوقعات السابقة.
كما أشارت الشركة إلى أن حركة المسافرين خلال موسم الشتاء، الممتد من نوفمبر إلى مارس، ستظل مستقرة إلى حد كبير مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بدلًا من تحقيق النمو الذي كانت تتوقعه سابقًا.
وتأتي هذه التعديلات في إطار مساعي الشركة للحد من تعرضها لتكاليف الوقود المرتفعة خلال الموسم الشتوي، الذي يشهد عادةً تحديات مرتبطة بالطلب على بعض المسارات.
وتعكس هذه الخطوة تحولًا في أولويات شركات الطيران، من التوسع في أعداد الرحلات والمسافرين إلى التركيز بدرجة أكبر على كفاءة التشغيل والحد من المخاطر المالية، خصوصًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة.
الضرائب تضغط على الرحلات.. ورايان إير تلغي 20 مسارًا في بلجيكا
على صعيد آخر، أعلنت رايان إير في 20 أكتوبر اعتزامها حذف 20 مسارًا جويًا من جدول رحلاتها الشتوي في بلجيكا، إلى جانب تقليص السعة بأكثر من مليون مقعد، على خلفية خطة حكومية لرفع ضريبة الطيران من يوروين إلى 7 يورو اعتبارًا من يناير 2027.
وتكشف هذه الخطوة عن مصدر إضافي للضغوط التي تواجه شركات الطيران الأوروبية، يتمثل في الضرائب والرسوم الحكومية، التي قد تؤثر على الجدوى الاقتصادية لبعض الرحلات والمطارات.
وفي حين ترتبط أزمة الوقود بالتطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة العالمية، فإن زيادة الضرائب تمثل عاملًا منفصلًا قد يدفع الشركات إلى إعادة توزيع طائراتها على أسواق أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.
ولا ترتبط التخفيضات المعلنة في بلجيكا بأزمة الوقود وحدها، إذ ربطت رايان إير قرارها مباشرة بالزيادة الضريبية المرتقبة، ما يوضح تداخل عوامل التكلفة المختلفة في قرارات شركات الطيران.
وبالنسبة للمسافرين، قد يؤدي تقليص الرحلات إلى انخفاض الخيارات المتاحة على بعض المسارات، فيما ستعتمد احتمالات ارتفاع الأسعار على مستويات الطلب وحجم المنافسة والسعة التي توفرها الشركات الأخرى.
«إيزي جيت» تواجه الضغوط نفسها.. ومخاوف من تراجع السعة الأوروبية
لا تقتصر تداعيات ارتفاع تكاليف الوقود على رايان إير، إذ تتجه شركات أوروبية أخرى إلى تعديل خططها التشغيلية لمواجهة الضغوط المالية.
و تخطط شركة إيزي جيت لتقليص نحو 700 ألف مقعد من جدول رحلاتها الشتوي، ضمن جهودها للتعامل مع ارتفاع نفقات الوقود.
وتشير هذه التحركات إلى أن تأثير الأزمة يتجاوز مسألة رفع أسعار التذاكر، ليشمل أيضًا عدد الرحلات التي ستُشغّلها الشركات، وتواتر الخدمة على المسارات المختلفة، ومدى استمرار تشغيل الخطوط الأقل ربحية.
وحذر أوليري من أن إفلاس بعض شركات الطيران أو استحواذ شركات أخرى عليها قد يؤدي إلى انخفاض السعة المتاحة في السوق الأوروبية، وهو ما قد يرفع الأسعار إذا استمر الطلب على السفر عند مستويات قوية.
لكن هذا السيناريو لا يزال احتمالًا وليس نتيجة مؤكدة؛ إذ إن حجم تأثيره سيعتمد على قدرة الشركات على امتصاص ارتفاع التكاليف، وتطور أسعار الوقود، ومستويات الطلب على السفر خلال العام المقبل.
ماذا تعني هذه التطورات للمسافرين في 2027؟
قد يواجه المسافرون في أوروبا خلال عام 2027 أسعار تذاكر أعلى، وخيارات أقل على بعض المسارات، وتراجعًا في توافر المقاعد خلال فترات الذروة، إذا دفعت تكاليف التشغيل المرتفعة شركات الطيران إلى تقليص رحلاتها.
ومع ذلك، لن تكون الزيادات المحتملة موحدة بالضرورة بين جميع الشركات والوجهات ومواعيد السفر، إذ تختلف قدرة كل ناقلة على مواجهة ارتفاع الوقود بحسب عقود التحوط وهيكل التكاليف ومستوى المنافسة.
وقد تواصل شركات الطيران منخفضة التكلفة تقديم أسعار تنافسية على المسارات التي تحتفظ فيها بسعة تشغيلية كافية ومزايا في التكلفة، بينما قد تواجه الشركات الأقل تحوطًا ضغوطًا أكبر تدفعها إلى زيادة الأسعار أو تعديل جداولها.
وينصح المسافرون الذين يخططون لرحلات أوروبية خلال العام المقبل بمقارنة الأسعار بين مواعيد السفر والمطارات المختلفة، ومتابعة تحديثات شركات الطيران بشأن الرحلات المتاحة. ورغم أن الحجز المبكر قد يتيح الاستفادة من بعض الأسعار المعروضة حاليًا، فإنه لا يضمن الحصول على أقل سعر، في ظل التغير المستمر في الطلب وسياسات التسعير.
2027 أمام اختبار صعب للطيران الأوروبي
تضع تحذيرات الرئيس التنفيذي لرايان إير صناعة الطيران الأوروبية أمام احتمالات صعبة خلال العام المقبل، مع تداخل ارتفاع أسعار الوقود وتقليص السعة التشغيلية وزيادة الضرائب في بعض الأسواق، فضلًا عن المخاطر المالية التي قد تواجه الشركات الأضعف.
وتبرز أهمية هذه التحذيرات في أنها تأتي بالتزامن مع قرارات فعلية لتعديل خطط التشغيل، ما يشير إلى أن ارتفاع التكاليف بدأ يؤثر على حسابات الشركات قبل اتضاح المسار النهائي للأسعار خلال 2027.
وتظل مدة استمرار ارتفاع أسعار وقود الطائرات العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد حجم التداعيات المقبلة. فإذا استمرت الضغوط الحالية، فقد يواجه المسافرون سوقًا أكثر تكلفة، بينما قد تضطر بعض شركات الطيران إلى تقليص شبكاتها أو إعادة هيكلة أعمالها.
ومع ذلك، فإن توقع ارتفاع أسعار التذاكر بنسبة تصل إلى 20% يظل تحذيرًا أطلقه رئيس رايان إير، وليس زيادة مؤكدة تشمل جميع شركات الطيران الأوروبية أو جميع المسارات.










