كتبت : ميادة فايق
في وقت تتصاعد فيه الضغوط على شركات الطيران بفعل الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، تجني شركة «دلتا إيرلاينز» ثمار رهان استثماري غير تقليدي اتخذته قبل 14 عامًا، بعدما تحولت مصفاة النفط التي استحوذت عليها إلى مصدر مهم للأرباح وأداة لتخفيف تداعيات ارتفاع تكاليف التشغيل.
وكشفت النتائج المالية للشركة عن الربع الثالث من عام 2026 عن حجم الضغوط التي فرضتها أسعار الوقود على أدائها، إذ ارتفعت تكلفة وقود الطائرات المعدلة بزيادة 60% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما قفزت فاتورة الوقود المعدلة بنسبة 62% لتصل إلى 4.1 مليار دولار.
وتتوقع «دلتا» أن تزيد نفقات الوقود بنحو 6 مليارات دولار خلال عام 2026 مقارنة بالعام السابق، وهو ما دفعها إلى خفض توقعاتها للأرباح، رغم قوة الطلب على السفر والزيادة في أسعار التذاكر.
ورغم هذه التحديات، حافظت الشركة على أرباح معدلة قبل الضرائب بلغت نحو 1.5 مليار دولار خلال الربع الثالث، وهو مستوى يقارب أرباح الفترة المقابلة من العام الماضي، كما تتوقع تحقيق نحو 4.5 مليار دولار من الأرباح قبل الضرائب خلال العام الجاري.
رهان استثماري يعود إلى عام 2012
تعود قصة هذا الاستثمار إلى عام 2012، عندما أعلنت «دلتا إيرلاينز» شراء مصفاة «ترينر» المتوقفة عن العمل، بالقرب من مدينة فيلادلفيا الأمريكية، من شركة «فيليبس 66»، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل صناعة الطيران.
وبلغت تكلفة الاستحواذ نحو 150 مليون دولار، بعد الحصول على مساعدات من ولاية بنسلفانيا بقيمة 30 مليون دولار، فيما خططت الشركة لاستثمار 100 مليون دولار إضافية لزيادة إنتاج وقود الطائرات.
وبهذه الصفقة، أصبحت «دلتا» أول شركة طيران تمتلك مصفاة لتكرير النفط، متحديةً النهج التقليدي لشركات الطيران التي تعتمد على شراء الوقود من الموردين الخارجيين.
ولم يكن القرار محل إجماع آنذاك، إذ رأى منتقدون أن الاستثمار في مصفاة نفط ينطوي على مخاطر كبيرة بسبب تقلبات أسعار الطاقة وتكاليف التشغيل، حتى إن أحد مسؤولي شراء الوقود في قطاع الطيران شبّه الخطوة بالمقامرة في لاس فيجاس.
وعلى مدار سنوات، جاءت نتائج المصفاة متفاوتة، بين فترات تكبدت خلالها خسائر وأخرى حققت فيها فوائد محدودة. وفي عام 2025، لم تسهم المصفاة سوى في خفض متوسط تكلفة الوقود لدى «دلتا» بنحو 4 سنتات للجالون.
311 مليون دولار في 6 أشهر
لكن الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات خلال عام 2026 أعاد تسليط الضوء على أهمية هذا الاستثمار، بعدما تحول إلى مصدر دعم مالي ملموس للشركة.
وحققت مصفاة «ترينر» نحو 311 مليون دولار من الدخل التشغيلي خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، مستفيدة من التغيرات الكبيرة في سوق الوقود.
وخلال الربع الثالث، ساعدت المصفاة في خفض تكلفة الوقود لدى «دلتا» بنحو 13 سنتًا للجالون، فيما تتوقع الشركة ارتفاع هذا الخفض إلى نحو 40 سنتًا للجالون خلال الربع الرابع.
وتقدّر «دلتا إيرلاينز» أن تتجاوز الفوائد التي تحققها من المصفاة 700 مليون دولار خلال عام 2026 بأكمله، وهو ما يمنحها هامشًا إضافيًا لمواجهة الزيادة الكبيرة في نفقات الوقود.
ميزة تنافسية رغم ارتفاع التكاليف
ورغم هذه المكاسب، لا تزال «دلتا» تواجه تأثير ارتفاع أسعار الوقود، إذ لا تكفي المصفاة لتعويض الزيادة الكاملة في النفقات، وهو ما انعكس على توقعات الشركة لأرباح العام الجاري.
لكن امتلاك المصفاة يمنحها ميزة تنافسية مهمة مقارنة بكبرى شركات الطيران الأمريكية الأخرى، من خلال توفير مصدر جزئي لتعويض ارتفاع أسعار الوقود وتقليل تعرضها الكامل لتقلبات السوق.
وتكشف تجربة «دلتا» كيف يمكن للاستثمار في مراحل مختلفة من سلسلة إمدادات الطاقة أن يمنح شركات الطيران مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، خصوصًا عندما تصبح تكلفة الوقود أحد أبرز العوامل المؤثرة في الأرباح.
وبعد 14 عامًا من الجدل حول جدوى امتلاك مصفاة نفط، يبدو أن التحولات الحادة في سوق الطاقة منحت قرار «دلتا» الاستثماري أهمية استثنائية، وحولت ما اعتُبر في البداية مخاطرة غير مألوفة إلى ورقة رابحة توفر للشركة مئات الملايين من الدولارات.
ورغم أن المصفاة لا تحمي «دلتا إيرلاينز» من أزمة الوقود بالكامل، فإنها تمنحها ميزة لا يمتلكها منافسوها بالدرجة نفسها، في وقت تتزايد فيه أهمية إدارة تكاليف الطاقة للحفاظ على ربحية شركات الطيران واستقرار أدائها المالي.









