الوقود يفرض كلمته.. شركات الطيران بين خفض السعة ورفع الأسعار

كتب : أحمد الشريف
تواجه شركات الطيران العالمية تحدياً غير مسبوق مع الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، ما يضعها بين خيارين أحلاهما مرّ: رفع أسعار التذاكر أو تقليص الطاقة الاستيعابية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على المستهلكين وتضعف القدرة على الإنفاق على السفر.
وبحسب تقديرات حديثة، كانت شركات الطيران تتجه نحو تحقيق أرباح قياسية تصل إلى 41 مليار دولار خلال عام 2026، إلا أن القفزة الكبيرة في أسعار وقود الطائرات قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب، وأجبرت الناقلات على إعادة النظر في استراتيجياتها التشغيلية وشبكات رحلاتها.
وفي هذا السياق، أعلنت عدة شركات طيران عالمية، من بينها “يونايتد إيرلاينز” و”إير نيوزيلندا” و”الخطوط الجوية الإسكندنافية SAS”، عن خطوات لاحتواء الأزمة، شملت تقليص السعة المقعدية ورفع التعرفات، إلى جانب فرض رسوم إضافية على الوقود في بعض الحالات.
ويرى خبراء الصناعة أن القطاع يمر بـ”عاصفة مثالية”، حيث تضطر الشركات إلى خفض الأسعار لتحفيز الطلب المتراجع، وفي الوقت ذاته رفعها لمواجهة تكاليف التشغيل المرتفعة، وهو ما يعمّق حالة التوازن الصعب بين العرض والطلب.
ورغم أن قطاع الطيران سجّل خلال العام الماضي مستويات قياسية في أعداد المسافرين، متجاوزاً مستويات ما قبل الجائحة بنسبة تقارب 9%، فإن استمرار تحديات سلاسل التوريد وتباطؤ تسليم الطائرات الجديدة حدّا من قدرة الشركات على التوسع، ما منحها في المقابل مرونة أكبر في التسعير عبر زيادة نسب إشغال المقاعد.
إلا أن حجم الزيادات المطلوبة لتعويض ارتفاع الوقود يبدو كبيراً، في ظل تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بشكل عام، ما قد يدفع شريحة واسعة من المسافرين، خاصة الأكثر حساسية للأسعار، إلى تقليص رحلاتهم أو البحث عن بدائل أقل تكلفة مثل القطارات والحافلات.
وفي هذا الإطار، أشار مسؤولون في القطاع إلى أن الأسعار قد تحتاج إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 20% لتغطية التكاليف الجديدة، فيما بدأت بعض الشركات بالفعل في رفع رسوم الوقود، حيث فرضت “كاثي باسيفيك” رسوماً إضافية مرتين خلال شهر واحد، وصلت إلى 800 دولار على بعض الرحلات الطويلة.
وتبدو شركات الطيران منخفضة التكلفة الأكثر عرضة للتأثر، نظراً لاعتمادها على قاعدة عملاء شديدة الحساسية للأسعار، مقارنة بشركات الطيران الكبرى التي تستهدف المسافرين من رجال الأعمال وذوي الدخل المرتفع.
ويمثل النزاع الحالي في الشرق الأوسط الصدمة النفطية الرابعة التي تضرب صناعة الطيران منذ بداية الألفية، بعد أزمات أعوام 2008 و2011 و2022، إلا أنه يُعد الأول من نوعه من حيث تأثيره المحتمل على إمدادات الوقود، خاصة مع المخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
وفي ظل هذه التحديات، تبرز الفجوة بين الشركات القوية مالياً ونظيراتها الأضعف، حيث يُتوقع أن تتمكن الشركات ذات الميزانيات الصلبة والقدرة التسعيرية المرتفعة من امتصاص الصدمات، بينما تواجه الشركات ذات الربحية المحدودة ضغوطاً مالية متزايدة قد تهدد استمراريتها.




